الإستشارة - المستشار : د. أميمة السيد
- القسم : الأطفال
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
21 - رقم الاستشارة : 5689
25/08/2026
ابني عنده أربع سنين، ومن فترة بدأ يناديني باسمي الأول بدل ما يقول لي "ماما". في البداية ضحكنا، لكن الموضوع زاد، وبقى يناديني باسمي قدام الناس، وأحيانًا لما أطلب منه يقول "ماما" يضحك ويكرر اسمي أكتر.
أنا بصراحة اتضايقت، وحاسة إنه مش بيحترمني، خصوصًا إن الناس حواليّ بتضحك على الموضوع. أعمل معاه إيه؟ وهل ده ممكن يكون بداية تمرد؟
عزيزتي
الأم، أول شيء أريد أن أطمئنك إليه: لا تبني على هذا التصرف الصغير حكمًا كبيرًا
على شخصية ابنك أو على مستوى احترامه لك.
الطفل
في الرابعة لا يتعامل مع الكلمات بالطريقة التي نتعامل بها نحن الكبار. هو في
مرحلة يكتشف فيها معنى الأسماء والأدوار والعلاقات، ويختبر تأثير الكلمات في
الآخرين. وقد يكون اكتشف ببساطة أن اسمك الأول يثير ضحك الموجودين ويجذب انتباههم،
فوجد في الأمر لعبة اجتماعية ممتعة.
وهنا
نصل إلى مفهوم مهم في علم النفس السلوكي، وهو التعزيز (Reinforcement).
عندما يقول الطفل اسمك فيضحك الكبار، أو تندهشين، أو تدخلين معه في نقاش طويل، أو
تغضبين، فهو يحصل على شيء مهم جدًّا بالنسبة إليه: الانتباه.
والطفل
في هذه السن لا يفرق دائمًا بين الانتباه الإيجابي والانتباه السلبي؛ المهم أن
السلوك نجح في تحريك الكبار.
لذلك
قد يكون غضبك -رغم أنه مفهوم جدًّا- سببًا غير مقصود في استمرار السلوك.
هل
يعني ذلك أنه لا يحترمك؟
غالبًا
لا.
فالاحترام
عند الطفل في هذه المرحلة لا يُقاس بمجرد استخدام لقب "ماما"، وإنما
يظهر في مجموعة من السلوكيات، مثل:
هل
يستجيب لتوجيهاتك المناسبة؟
هل
يستطيع فهم الحدود؟
هل
يعرف أنك الشخص المسؤول عنه؟
هل
يشعر بالأمان معك؟
هل
يلجأ إليك عندما يخاف أو يتعب؟
إذا
كانت الإجابة نعم، فلا تجعلي كلمة واحدة تختصر علاقتك كلها بابنك.
لكن
في الوقت نفسه، لا يعني هذا أن نترك السلوك بلا توجيه.
إذن
ماذا تفعلين عمليًّا؟
في
لحظة هادئة، قولي له ببساطة: "أنا اسمي فلانة، لكن بالنسبة لك أنا ماما.
الناس ممكن ينادونني باسمي، لكن أنت بتقول لي ماما".
ثم
توقفي. لا تحولي الأمر إلى محاضرة.
وإذا
قال اسمك مرة أخرى، لا تصرخي ولا تدخلي في شد وجذب. قولي بهدوء: "قولي
ماما"،
فإذا
قالها، ابتسمي واحتفي به احتفاءً بسيطًا: "أيوه، كده حلو".
هذه
الطريقة تعتمد على التعزيز الإيجابي (Positive Reinforcement)؛
أي أننا نعطي السلوك الصحيح اهتمامًا أكبر من السلوك غير المرغوب.
والأهم:
لا تجعلي الآخرين يضحكون على السلوك أمامه؛ لأن الضحك هنا قد يتحول إلى مكافأة.
سؤال
آخر بطرح نفسه: وماذا لو كررها أمام الناس؟
لا
تحرجيه.
لا
تقولي: "شايفين ابني قليل الأدب؟"
ولا:
"أنت عايز تضايقني؟"
بل
صححي بهدوء: "ماما، قول ماما". ثم انتقلي إلى موضوع آخر.
الأطفال
يتعلمون الحدود من ثباتنا أكثر مما يتعلمونها من ارتفاع أصواتنا.
وهناك
نقطة أعمق، أحيانًا يلتقط الطفل اسم الأم من الآخرين، خصوصًا إذا كان يسمع الأب أو
الجد أو الأقارب يستخدمونه كثيرًا؛ لذلك من المهم أن يكون المحيطون به متسقين.
كما
أن الطفل في هذه السن قد يبدأ في تجربة "من أنا؟ ومن أنت؟ وما الفرق بين
الأسماء والأدوار؟"، وهي جزء من تطور الهوية الاجتماعية (Social
Identity).
إذن
لا نقرأ كل سلوك باعتباره مشكلة أخلاقية.
وليتك
تتواجدين به وسط أقران من سنه وتحتفين وتعلقين بالإيجاب والاستحباب والتشجيع إذا
ما نادى أحدهم والدته بـ ماما.
متى
يصبح الأمر محتاجًا إلى انتباه أكبر؟
إذا
كان استخدام الاسم جزءًا من نمط أوسع من السلوكيات التي تتضمن رفضًا شديدًا لكل
القواعد، أو عدم القدرة على اتباع التعليمات المناسبة لعمره، أو مشكلات واضحة في
التواصل والتفاعل الاجتماعي، فهنا ننظر إلى الصورة كاملة، لا إلى كلمة واحدة.
أما
إذا كان الطفل طبيعيًّا في تواصله وتفاعله، ويستخدم الاسم فقط لأنه يستمتع برد فعل
الكبار، فغالبًا نحن أمام سلوك قابل للتعديل بالهدوء والثبات.
لكن
عموما لا تقلقي فكلما كبر في العمر فإنه يخجل من التلفظ بأي لقب لا بتقبله الآخر
وبالتالي نجده فيما بعد يلتزم بالألقاب المناسبة لكل شخص، طالما زرعنا فيه احترام
الآخر وتبجيل الكبير.
همسة
أخيرة:
لا
تسمحي لكلمة ينطق بها طفل في الرابعة أن تجعلك تشكين في مكانتك عنده.
الأمومة
لا تثبتها كلمة "ماما"، وإنما يثبتها الأمان، والحضور، والاحتواء،
والحدود، والحب الذي يشعر به الطفل حتى وهو يُخطئ.
روابط ذات صلة: