الإستشارة - المستشار : د. عادل عبد الله هندي
- القسم : فئات المدعوين
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
10 - رقم الاستشارة : 6139
15/10/2026
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أنا أب لثلاثة أبناء في مرحلة المراهقة والشباب، وألاحظ في مجتمعنا انتشاراً كبيراً للرفاهية المادية بين الشباب، حيث أصبح همهم الأكبر هو اقتناء أحدث الأجهزة، وارتداء أغلى الماركات، والسفر إلى أرقى البلدان، والانشغال بالتفاهات، حتى أصبحت هذه المظاهر هي مقياس النجاح والتفوق، مما جعلهم يبتعدون عن دينهم، ويضيعون أوقاتهم، ويقل إنتاجهم، وتهون عليهم قيم العفة والطموح، ويضعف ارتباطهم بالله والآخرة.
أنا كأب أحاول توجيههم، لكني أشعر بأن التأثير الخارجي أقوى من تأثيري، فكيف يمكن للدعاة والمربين في مجتمعنا أن يواجهوا هذا التحدي الخطير، وأن يعيدوا توجيه الشباب نحو القيم الحقيقية، ويذكروهم بحقيقة الحياة الدنيا، ويوجهوا طاقاتهم نحو ما ينفعهم في دنياهم وآخرتهم، وأن يكونوا لهم قدوة حسنة؟
وعليكم السلام
ورحمة الله وبركاته، أخي الكريم، حياك الله، ونسأل الله أن يصلح لك ذريتك، ويجعلهم
من عباد الله الصالحين.
إن ما تعاني منه
هو واحد من أخطر التحديات التي تواجه الأسر والمجتمعات العربية والإسلامية في
عصرنا الحاضر، وهو ما يعرف بـ "الرفاهية المادية" أو "التكاثر
المادي"، الذي أصبح سمة بارزة في حياة الشباب، وأحد أسباب انحرافهم عن جادة
الصواب.
والمشكلة ليست في
المال بحد ذاته، بل في سوء استخدامه، والتعلق به، والانشغال به عن الهدف الأسمى من
الحياة.
فالرفاهية
المادية -كما ذكر العلماء- هي "التنعم وسعة العيش، والتوسع في ملاذ الدنيا
وشهواتها، وقد يؤدي كل ذلك إلى الطغيان وعدم شكر النعم".
وهي ليست مجرد
غنى، بل هي صفة أخلاقية مرذولة، قد تصيب الغني والفقير على السواء، وتجعل هم
الإنسان هو إشباع رغباته، وتضييع وقته في التفاهات.
عاقبة الرفاهية
على الأمم
وقد حذّر القرآن
الكريم من هذه الآفة، قال تعالى: ﴿وَاتَّبَعَ
الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ (هود: 116).
فالمترفون هم الذين ظلموا أنفسهم واتبعوا أهواءهم، وكانوا مجرمين في حق أنفسهم
ومجتمعهم.
وإذا نظرنا إلى
التاريخ، وجدنا أن الرفاهية المادية كانت سببًا في سقوط العديد من الدول
والحضارات، كالرومان والفرس والأندلس
فقد انشغلوا
بالترف والنعيم عن بناء مجتمعاتهم، واعتمدوا على العبيد والخدم، فضعفت هممهم،
وفسدت أخلاقهم، وسقطوا أمام أعدائهم.
كيف يواجه الدعاة والمربون هذه الآفة؟
ولمواجهة آفة الرفاهية وما يترتب عليه يجب على الدعاة أن
يقوموا بعدة أشياء، منها:
1. التوعية والتثقيف: يجب على الدعاة أن يبذلوا جهدًا كبيرًا في
توعية الشباب بمخاطر الرفاهية المادية، وبيان أنها ليست مقياساً للنجاح، بل هي
فتنة واختبار من الله، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا
أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾.
2. تربية الزهد
والقناعة: يجب
غرس قيم الزهد والقناعة في نفوس الشباب، وتعليمهم أن القناعة هي كنز لا يفنى، وأن
الرضا بما قسم الله هو طريق السعادة، وأن السعادة ليست في كثرة المال، بل في صحة
القلب، وقوة الإيمان، وحسن الخلق، قال ﷺ: «لَيْسَ الْغِنَى
عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ، وَلَكِنَّ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ» (رواه البخاري).
3. تقديم القدوة
الحسنة: يجب أن يكون الدعاة والمربون قدوة حسنة في
زهدهم وقناعتهم، وأن يظهروا للناس أن السعادة الحقيقية ليست في الماديات، بل في
التقرب إلى الله، ونفع العباد، وأنهم لا يلهثون وراء الدنيا كما يلهث الآخرون.
4. توجيه الطاقات
نحو العمل النافع: يجب
توجيه طاقات الشباب نحو العمل النافع، والإنتاج والإبداع، وتعليمهم أن الغنى
الحقيقي هو غنى الإنتاج، وليس غنى الاستهلاك، وأن الله يحب العبد الذي يعمل بيده،
ويتقن عمله، كما قال ﷺ: «مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ خَيْرًا
مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ، وَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ دَاوُدَ عَلَيْهِ
السَّلَامُ كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ» (رواه البخاري).
5. الربط بالآخرة: تذكير الشباب بالآخرة، وأن الدنيا دار
ممر، وليست دار قرار، وأن ما فيها من متع فانية، وأن الحساب على ذلك عسير، قال
تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَىٰ
وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾.
نصائح مهمة
للشباب للاستفادة من الوقت
وأنصحك ختامًا
بالآتي:
• اجعل من وقت فراغك فرصة لعبادة الله،
وقراءة القرآن، وممارسة الرياضة، وتعلم المهارات الجديدة، بدلاً من إضاعته في
الترف واللهو.
• أحسن علاقتك
بالله، وستجد السعادة الحقيقية، وتخلص من التعلق بالماديات، قال تعالى: ﴿وَمَنْ
يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا
يَحْتَسِبُ﴾.
وأسأل الله
العظيم أن يحمينا وإياكم من فتنة المال والبنين، ويجعلنا من الشاكرين الذاكرين،
ويوفقنا لطاعته ومرضاته.
روابط ذات صلة: