من أحكام المريض.. الصبر والصلاة والصيام وقراءة القرآن

Consultation Image

الإستشارة 19/07/2026

أخي يغسل الكلى 3 مرات أسبوعيا، وفترة الغسيل تمتد من 4 إلى خمس ساعات من الساعة 2 ظهرا حتى 7 مساء، فهل له أن يجمع بين الصلوات التي فاتته، علما أنه عندما يذهب إلى المنزل يحتاج إلى راحة لمدة ساعة أو أكثر، أي يكون عليه العصر والمغرب؟

ثانيا يضع شاشا مكان الحقن ولا يستطيع أن يخلع هذا الشاش إلا بعد 3 ساعات، فهل يمسح على الشاش عند الوضوء، علما أن أحد الناس قال له لا يجوز لك المسح على الشاش لأنك لم تضعه على وضوء؟

ويسأل أنه لا يستطيع صيام الفرض أو النفل وأن عينه لا يستطيع أن يقرأ القرآن بها كما كان يفعل في الماضي في رمضان وغير رمضان.. فهل سيأخذ أجره عن الصيام رغم عدم صيامه عن رمضان ويوم عرفة والنوافل الأخرى، وهل سيأخذ أجر قراءة القراءة لعلة المرض؟

الإجابة 19/07/2026

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:

 

فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أختنا الكريمة، واعلمي حفظكِ الله ورعاكِ أن الشريعة الإسلامية مبنية على اليسر ورفع الحرج عن المكلفين، لا سيما أهل الأعذار والمرضى؛ لقوله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185]، وقوله سبحانه: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78]. ومريض الفشل الكلوي -عافاه الله- يمر بمشقة بدنية ونفسية شديدة أثناء عملية الغسيل وما يعقبها من إرهاق وتعب، وهو ما جعل الفقهاء يستنبطون من نصوص الوحيين رخصًا جليلة ترفع عنه العنت وتيسر عليه عبادته، مع حفظ كامل أجره وثوابه عند الله تعالى.

 

اختصارًا:

 

· فبالنسبة لجمع الصلوات يجوز للمريض جمع صلاتي الظهر والعصر معًا جمع تقديم قبل البدء بالغسيل، وهو الأفضل والأحوط، أو جمع تأخير بعد انتهائه، كما يجوز له جمع صلاتي المغرب والعشاء معًا جمع تأخير عند وصوله للمنزل وبعد أخذ الراحة اللازمة فوقت العشاء ممدود، وقد ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية والحنابلة إلى أن وقت العشاء يمتد كـ "وقت اضطرار" خاصة للمريض حتى طلوع الفجر الصادق، فمن صلاها في هذا الوقت أداها أداءً؛ لكن لا يجوز مطلقًا الجمع بين العصر والمغرب لأنهما لا يُجمعان في الشريعة.

 

· وبالنسبة للمسح على الشاش: يجوز له المسح عليه عند الوضوء، وما قيل له من اشتراط وضعه على طهارة غير صحيح؛ لأن الشاش يأخذ حكم "الجبيرة" الطبيّة، والجبيرة لا تُشترط لها الطهارة المسبقة عند جمهور العلماء لعنصر المفاجأة والحاجة.

 

· وبالنسبة لأجر الصيام والقراءة فيُكتب له أجر الصيام كاملاً فرضًا ونفلاً كعرفة وأجر قراءة القرآن كاملاً كما كان يفعل في صحته؛ وذلك بنص حديث النبي ﷺ الصحيح، مع لزوم إخراج الفدية عن صيام الفرض إطعام مسكين عن كل يوم لعجز البدن المستمر، وإن كان راغبًا في حصول بركة القرآن في بيته وبدنه فليستمع إلى آيات القرآن الكريم وسماعه في ميزان حسناته إن شاء الله.

 

· أجر الصبر: المرض طهور للمؤمن، ورفعة للدرجات، وحط للسيئات، والصابر على هذا البلاء يُوفّى أجره بغير حساب.

 

وقبل تفصيل الفتوى لي كلمة، أسأل الله أن يكتب لي ولك أجرها، وأرجو أن تصل إلى أخينا المريض.

 

إن مرض أخينا ليس لهوانه على الله، بل قد يكون علامة حُبٍّ واصطفاء؛ فقد قال النبي ﷺ: «إنَّ عِظَمَ الجزاءِ مع عِظَمِ البلاءِ، وإنَّ اللهَ إذا أحبَّ قومًا ابتلاهم» [رواه الترمذي].

 

وإن مريض غسيل الكلى يُغسل بدنه في الدنيا من السموم، ويُغسل في ذات الوقت من الذنوب والخطايا بكل ألم ووخزة إبرة، فالله أرحم بالعبد من أمه، وإن قومًا ابتلاهم الله لأن لهم منزلة عند الله لا يبلغونها إلا بالبلاء، وما هي إلا سويعات ويصل الحادي بالركب إلى منتهاه، وعند الصباح يحمد القوم السُّرَى.

 

وعن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة رضي الله عنهما، عن النبي ﷺ قال: «مَا يُصِيبُ المُسْلِمَ، مِنْ نَصَبٍ وَلاَ وَصَبٍ، وَلاَ هَمٍّ وَلاَ حُزْنٍ وَلاَ أَذًى وَلاَ غَمٍّ، حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا، إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ». [أخرجه الإمام البخاري في صحيحه، كتاب المرضى، باب ما جاء في كفارة المرض، حديث رقم 5641، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة والآداب، حديث رقم 2573]. والوَصَبُ هو المرض الملازم الموصول.

 

فليعلم أخونا أن له منازل في الجنة قد لا يبلغها بصلاته وصيامه، فيبتليه الله بالمرض ليبلغه إياها بصبره واحتسابه. ولينطرح بين يدي الله راضيًا، فمداد صبره مكتوب، وأنين تعبه تسبيح، وحرمانه من قراءة القرآن عِوضه الجنة؛ لقوله ﷺ في الحديث القدسي عن الله عز وجل: «إذا ابتليتُ عبدي بحبيبتيه فصبر، عوضتُه منهما الجنة» [رواه البخاري]، وأسألك بالله أن تسأليه الدعاء لنا، رزقه الله الصبر والقبول.

 

وتفصيلاً:

 

حكم جمع الصلوات للمريض

 

الصلوات التي تُجمع في الشريعة هي: الظهر مع العصر والمغرب مع العشاء. أما العصر مع المغرب فلا يصح جمعهما بحال؛ لأن وقت العصر ينتهي بغروب الشمس، ووقت المغرب ينتهي بمغيب الشفق الأحمر، وليس بينهما اشتراك في الوقت.

 

وبما أن الغسيل يبدأ من الساعة 2 ظهرًا أي بعد دخول وقت الظهر، فالأفضل والأيسر للمريض أن يصلي الظهر والعصر جمع تقديم في بيته أو في المستشفى قبل البدء بالعملية، فيصلي الظهر أربعًا ثم العصر أربعًا، هذا بالطبع إذا سمح الوقت فهو أعلم بظروفه.

 

أما المغرب، فبما أنه يخرج من المستشفى الساعة 7 مساءً ويكون متعبًا ويحتاج للراحة، فيمكنه إرجاء صلاة المغرب ليصليها مع العشاء جمع تأخير في وقت العشاء بعد استراحته، فيصلي المغرب ثلاثًا ثم العشاء أربعًا.

 

وقد أجاز الفقهاء الجمع للمريض الذي يشق عليه أداء كل صلاة في وقتها.

 

جاء في «المغني» للإمام ابن قدامة المقدسي ت 620هـ: «والمرض المبيح للجمع هو ما يلحق به بمشقة وتعب بترك الجمع... وروي عن ابن عباس قال: جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء في المدينة من غير خوف ولا مطر. قيل لابن عباس: لِمَ فعل ذلك؟ قال: أراد ألا يحرج أمته. والمرض يلحق به من المشقة والحرج ما لا يلحق بالمطر» [المغني، ج2، ص203].

 

وفي العصر الحديث، نصت «اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء» السعودية أن «مريض الغسيل الكلوي يجوز له الجمع بين الظهر والعصر جمع تقديم أو تأخير حسب الأيسر له، وكذلك المغرب والعشاء، إذا شق عليه أداء كل صلاة في وقتها» [فتاوى اللجنة الدائمة، المجلد 8، ص82].

 

المسح على الشاش مكان الحقن واشتراط الطهارة

 

القول بأن الشاش لا يُمْسَح عليه إلا إذا وُضِع على طهارة هو خلط خطير بين حكم "الخفين" الجوارب وحكم "الجبيرة" اللفائف الطبية والشاش. فالخف رفاهية واختيار، واشترط الشارع له الطهارة، أما الجبيرة والشاش فضرورة وعلاج يقع فجأة، فلا تُشترط له الطهارة المسبقة.

 

عند الوضوء، يغسل المريض الأجزاء الصحيحة من يده، فإذا وصل إلى موضع الشاش المعقم الذي لا يجوز نزعه أو إيصال الماء تحته لضرر الجرح، فإنه يَبُلُّ يده بالماء ويمسح على ظاهر الشاش مسحًا خفيفًا، ويجزئه ذلك تمامًا ولا يعيد الصلاة.

 

قد ذهب جمهور العلماء الحنفية، والمالكية، والحنابلة، وهو وجه عند الشافعية إلى عدم اشتراط الطهارة لوضع الجبيرة واللفائف الطبية.

 

جاء في «كشاف القناع عن متن الإقناع» للعلامة البهوتي الحنبلي ت 1051هـ: «ولا تفتقر الجبيرة إلى تقدم طهارة أي لا يشترط وضعها على طهارة؛ لأن الجراح تقع بغتة، فلو اشترطنا وضعها على طهارة للحِقَ المريضَ الحرجُ والمشقة» [كشاف القناع، ج1، ص120].

 

وجاء في «بدائع الصنائع» للإمام الكاساني الحنفي ت 587هـ: «وأما بيان شرائط جواز المسح: فمنها ألا يشترط شد الجبيرة على طهارة عندنا... لأن اشتراط ذلك يؤدي إلى الحرج؛ لأن الكسر والجرح يقع بغتة» [بدائع الصنائع، ج1، ص14].

 

أجر الصيام والقراءة الفائتة بسبب عِلة المرض

 

أجر النوافل والقراءة: يكتب الله عز وجل للمريض الأجر كاملاً غير منقوص عن كل عمل صالح كصيام عرفة، والنوافل، وقراءة القرآن كان يواظب عليه في صحته ومنعه المرض منه؛ وذلك من كرم الله وفضله.

 

عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إِذَا مَرِضَ العَبْدُ أَوْ سَافَرَ، كُتِبَ لَهُ مِثْلُ مَا كَانَ يَعْمَلُ مُقِيمًا صَحِيحًا». [أخرجه الإمام البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد والسير، باب يكتب للمسافر مثل ما كان يعمل في الإقامة، حديث رقم 2996].

 

قال الحافظ ابن حجر في «فتح الباري»: «وهو في حق من كان يعمل طاعة فمُنع منها، وكانت نيته لولا المانع أن يدوم عليها» [فتح الباري، ج6، ص136].

 

حكم صيام رمضان الفرض: بما أن الفشل الكلوي مرض مزمن ومستمر ويحتاج المريض فيه إلى الغسيل الذي يُفطر الصائم يقينًا بسبب تزويد الدم بالسوائل والمغذيات، وبما أنه لا يستطيع الصيام، ففرضُه الانتقال إلى البديل الشرعي وهو الفدية، فيطعم عن كل يوم من رمضان مسكينًا نحو كيلوجرام ونصف من الأرز أو القمح، أو إخراج القيمة النقدية للجهة المستحقة، لقوله تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} [البقرة: 184].

 

القواعد الفقهية الحاكمة

 

قاعدة: «المشقة تجلب التيسير»

 

لما كان أداء الصلوات في أوقاتها، وغسل مكان الجرح، وصيام رمضان يسبب مشقة فادحة للمريض قد تؤدي لتلف عضوه أو زيادة مرضه، جلب الشرع له التيسير بالجمع، والمسح، والإفطار مع الفدية.

 

قاعدة: «الضرر يزال»

 

نزع الشاش لإيصال الماء للجرح يسبب ضررًا طبيًّا محققًا وتلوثًا، والضرر يجب إزالته في الشريعة، فصار المسح بديلاً شرعيًّا واقيًا من الضرر.

 

قاعدة: «إذا ضاق الأمر اتسع»

 

ضاق وقت المريض بسبب التزامه بأوقات الأجهزة الطبية المتعبة، فاتسع له الحكم الشرعي بجواز دمج الأوقات المشتركة كالظهرين والعشاءين.

 

قاعدة: «الاضطرار لا يبطل حق الثواب» وهي مأخوذة من روح التشريع.

 

العجز الاضطراري عن الطاعات البَدنية لا يَحرم صاحبه الثواب؛ لأن العذر مانع حسي، والنية الصالحة قائمة، فجرى عليه أجر الصحيح المقيم. والله تعالى أعلى وأعلم.

 

روابط ذات صلة:

ضوابط الميسور والمعسور في صفة صلاة المريض

دفع زكاة الفطر للأم المريضة

الرابط المختصر :