هل يتشابه الإلحاد مع الجاهلية في تقديس المادة؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. مصطفى عاشور
  • القسم : شبهات وردود
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 60
  • رقم الاستشارة : 5849
14/09/2026

الإلحاد وتقديس المادة، هل وثنية الإلحاد لا تختلف عن وثنية الجاهلية في تقديس المادة؟

الإجابة 14/09/2026

أخي الكريم، الإلحاد القديم والحديث يتطابقان في جوهرهما، فهما ينكران الخالق سبحانه وتعالى، ويستبدلان بالإله القدير آلهة من الجماد وأوثانًا من الحجر أو المعدن والخشب؛ فشكل الوثن هو الذي تغير أما الإلحاد فلم يتغير.

 

قديمًا كان هناك تمثال لإنسان أو حيوان أما الآن فهنا تقديس للمادة واعتبارها مصدر الحياة ومنشئة الوجود، وهو ما يؤكد أن الإلحاد ليس رؤية عقلانية ولكنه اختلال عقلي، فهذا الإنسان الذي يظن أن تلك المادة الجامدة هي من صنعت الحياة، وهي من يدين لها بالإيمان، لا شك أن ذلك الشخص مختل عقليًّا؛ لذا اتهم إبراهيم -عليه السلام- قومه العاكفين على أصنامهم، بقلة العقل، فقال تعالى في سورة الأنبياء، الآية (67): {أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ۖ أَفَلَا تَعْقِلُونَ}.

 

الكون يرفض العدم

 

أخي الكريم، العقل الإنساني يؤمن بقانون السببية، فلكل شيء سبب، ولكل حدث علة، والغريب أن الإلحاد يقبل بوجود هذا القانون في عالم المادة، ولا يقبل به للاعتراف بأنه الله تعالى هو الخالق لهذا الكون العظيم، بل يثير هذا الإلحاد شبهاته حول قانون السببية في مسعى لتعطيله في جانب الاستدلال على الخالق، فيزعم أنه إذا كان لكل شيء سبب، فلماذا يُستثنى الخالق من هذا القانون، وتلك شبهة رديئة باهتة؛ لأن الخالق سبحانه وتعالى هو مسبب الأسباب ولا يخضع لقانون أو لسبب.

 

قانون السببية نفسه ليس حاكمًا للوجود، ولكنه قانون من قوانين أخرى يُحكم بها الكون، ولذا رأي فيلسوف العلم التجريبي "ديفيد هيوم" الذي لُقب بـ"الملحد العظيم" في القرن الثامن عشر الميلادي، أن السببية نفسها "عادة عقلية" نشأت من تكرار رؤية أحداث متتالية، مثل تحقق الشبع مع تناول الطعام، لكن تظل السببية محكومة بحدود التجربة الحسية.

 

وقد يكون من الطريف أن نذكر "حادثة المستنقع" التي تعرض لها ديفيد هيوم عام 1770م، حيث كان رجلاً ضخم الجثة، وأثناء سيرة في منطقة في أدنبره عاصمة اسكتلندا، وقع في مستنقع من الوحل ولم يستطع الخروج، فمرت به امرأة واشترطت عليه لإنقاذه أن يعلن إيمانه بالله، فانصاع لطلبها، مبررًا موقفه، بأن الحياة اليومية والغرائز الإنسانية تقودنا وليست العقلانيات الصارمة.

 

نظرية الانفجار العظيم

 

أخي الكريم، الكون يرفض العدم، ورغم ذلك فإن الإلحاد القديم والحديث يرى أننا قدمنا من العدم، وذاهبون إلى العدم، وهذا الاعتقاد الإلحادي هو نتيجة للإيمان المطلق بالمادة، وهنا يظهر التشابه بين الإلحاد القديم والإلحاد الحديث في إسباغ صفات الإله على المادة، فمثلاً نظرية "الانفجار العظيم" تطرح تفسيرًا لنشأة الكون، وترى أن للكون بداية زمنية ومكانية بدأت قبل (13.8) مليار سنة.

 

هذه النظرية شكّلت صدمة للإلحاد الحديث، الذي يرى أن الكون أولي وبلا نهاية وهو ما أطلقوا عليه "الكون المستقر" والتي تفترض أن الكون ثابت، دائم، فليس له نقطة بداية، وأبدي ليست له نقطة نهاية، إلا أن نظرية "الانفجار العظيم" حددت بداية للكون، وهو ما يعني أن للكون خالقًا، أو أن للكون مسببًا أول خارج نطاق الزمان والمكان، وهي رؤية تخدم الإيمان، وتهز أركان الفكر الإلحادي المادي.

 

وهنا نشير إلى مهزلة عقلية أخرى للإلحاد ففي زعمهم أن قانون الصدفة يفسر نشأة الكون، وتحدثوا عن "مبدأ القردة اللامتناهية"، وملخصه أنه إذا أحضرت قردًا وجعلته يضرب على آلة كاتبة بشكل عشوائي تمامًا لمليارات السنين، فإنه سينجح في النهاية (بالصدفة البحتة) في كتابة مسرحية كاملة لـ "شيكسبير"، ولا شك أن تلك تفاهة إلحادية لا تختلف عن تفاهات الإلحاد القديم الذي زعم أن الكون لم ينشأ أصلاً، بل هو أزلي، أي موجود بلا بداية، وأبدي، أي سيبقى بلا نهاية؛ لأن المادة لا تفنى ولا تستحدث من العدم، وما دامت المادة موجودة فلا حاجة للإله.

 

موضوعات ذات صلة:

الإلحاد الديني والعلمي هل هناك اختلاف؟

ما دلالة تراجع فلو عن الإلحاد بعد خمسين عاما؟

هل النشاط الإلحادي يشهد طفرة؟

التعليقات

الرابط المختصر :