كيف أتخلص من القلق ورعب الفقد وتوقُّع المصائب؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. فتحي عبد الستار
  • القسم : وساوس وشكوك
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 35
  • رقم الاستشارة : 5326
17/07/2026

السلام عليكم. أنا رجل متزوج بعمر 43 عامًا، وأب لثلاثة أبناء في مراحل عمرية مختلفة. أعمل والحمد لله في وظيفة مستقرة ومحترمة توفر لنا حياة كريمة. عشت في شبابي سنوات صعبة للغاية؛ حيث مررت بأزمة مالية خانقة قبل نحو سبع سنوات كدنا نفقد بسببها بيتنا، تلاها مرض شديد أصاب ابني الأوسط في طفولته جعلنا نتنقل به بين المستشفيات لأشهر. في كل تلك الأزمات، كان فضل الله ورحمته يحيطان بنا، فخرجنا منها أقوى، وتجاوز ابني محنته الصحية تمامًا، وعوّضني الله بوظيفتي الحالية التي أعتبرها معجزة حقيقية في وقتها. أنا رجل مصلي، وأحرص على الأذكار، وأعلم يقينًا أن كل ما أنا فيه هو محض فضل من الله ولطف مستمر.

لكن المشكلة أني بدلًا من أن أعيش مطمئنًا مستمتعًا بنعم الله بعد زوال الكرب، أعيش في قلق دائم ومزمن من المستقبل، وتوقعات سوداوية لا تفارق مخيلتي، من هوس الحوادث والفقد، إذا تأخرت ابنتي الكبرى عن موعد عودتها من درسها يبدأ عقلي بتخيل سيناريوهات مرعبة، ويبدأ قلبي بالخفقان السريع، وأقوم بالاتصال بها بشكل هستيري ومكرر، مما يسبب لها إحراجًا كبيرًا أمام زميلاتها ويشعرها بالخناق والتحكم.

أي عارض صحي بسيط يصيبني أو يصاب به أحد أبنائي يترجمه عقلي فورًا على أنه مرض خطير.

ورغم أن وضعي المالي مستقر، إلا أنني أخشى دائمًا أن أترك عملي فجأة، أو أن أفقد مدخراتي.

كيف أتخلص من هذه المشاعر السلبية؟ وكيف أتعامل مع الأفكار السوداوية لحظة هجومها عليَّ؟

وكيف أطمئن وأحسن الظن بالله حقيقة، وليس مجرد كلام.

وجزاكم الله عني خير الجزاء.

الإجابة 17/07/2026

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، ومرحبًا بك أخي الفاضل، وأشكرك على ثقتك بنا وتواصلك معنا، وأسأل الله أن يربط على قلبك، وأن ينزل عليك السكينة والطمأنينة، وأن يحفظ لك زوجك وأبناءك، وأن يقر عينك بصلاحهم وعافيتهم، ويصرف عنك وعنهم كل سوء ومكروه، وبعد...

 

فيا أخي الحبيب، إن الأزمتين اللتين مررت بهما قبل سنوات (خطر فقدان البيت، والمرض الشديد لابنك) تركتا لديك صدمة نفسية وقلقًا مع آثار ما بعد الصدمة. إن جهازك العصبي تعرَّض لضغط هائل في الماضي، وبما أنه لم يفرغ تلك الشحنات والمخاوف بشكل كامل، فإنه ما زال يعيش في حالة طوارئ مستمرة، فيتوقع الصدمة القادمة ليحمي نفسه منها قبل حدوثها.

 

كيف تتخلص من المشاعر السلبية وقلق المستقبل؟

 

المشاعر السلبية والقلق من المستقبل يتغذيان على الرغبة في السيطرة المطلقة على الأقدار، وهو أمر مستحيل بشريًّا. وللتخلص من هذه المشاعر، أقترح عليك بعض الخطوات:

 

1- الفصل بين الرعاية والسيطرة:

 

ما تفعله مع ابنتك الكبرى من اتصال هستيري ليس حماية لها؛ بل هو تصدير لقلقك الداخلي إليها. الفتاة في هذه المرحلة العمرية تحتاج إلى بناء ثقتها بنفسها والشعور بالأمان والخصوصية.

 

لذا ضع بينك وبينها نظامًا متفقًا عليه، مثلًا: رسالة قصيرة عند الوصول، ورسالة عند التحرك للعودة. هذا يمنحك الطمأنينة، ويمنحها المساحة والمسؤولية دون إحراج أمام زميلاتها.

 

2- تفسير الأعراض الصحية لدى الطبيب:

 

كل عَرض صحي بسيط هو مجرد إشارة لضعف الجسد البشري الطبيعي، وليس بالضرورة أن يكون مؤشرًا على مرض عضال. فإذا أصبت بوجع رأس أو أصيب أحد أبنائك بعارض، فامنع نفسك وعقلك من البحث في الإنترنت عن الأعراض فهذا أكبر مغذٍّ للقلق. فإذا كان العارض يستحق فاذهب إلى الطبيب أو إلى وحدة الطوارئ في المستشفى، وستجد -في غالب الأحيان- أن غالبية الأعراض التي تشعر بها لم تكن تستدعي كل هذا القلق، وستعرف كيف تتعامل معها مستقبلًا.

 

3- التدريب على الاسترخاء:

 

عندما يفرز جسمك الأدرينالين والكورتيزول نتيجة القلق، يتسارع نبضك. لا تقاوم الفكرة بعقلك فقط، بل ابدأ بتهدئة جسدك أولًا عن طريق التنفس العميق: خذ شهيقًا من الأنف في 4 ثوانٍ، واحبسه 4 ثوانٍ، ثم أخرجه من الفم في 6 ثوانٍ. كرر هذا التمرين 10 مرات عندما تشعر ببداية القلق، حيث يسهم هذا جسديًّا في إرسال إشارات للمخ بأنك في أمان.

 

كيف تتعامل مع الأفكار السوداوية لحظة هجومها؟

 

عندما تهاجمك مثل هذه الأفكار (مثل: ابنتي حدث لها مكروه، أو سأفقد عملي قريبًا...)، لا تستسلم لها وتغرق في تفاصيل السيناريو المرعب؛ بل اتبع الخطوات الثلاث التالية فورًا:

 

1- الاستعاذة وقطع الفكرة:

 

الشيطان حريص على إحزان المؤمن وزرع الخوف في قلبه؛ قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَىٰ مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [المجادلة: 10]. فقل بصوت مسموع هادئ: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم»، ثم قل لنفسك: «هذه فكرة وسواسية وليست حقيقة».

 

2- مواجهة الفكرة بالحقائق:

 

عقلك القلق يطرح فرضية مرعبة، والمطلوب منك أن تكون قاضيًا عادلًا يطالب بالدليل: كم مرة تأخرت ابنتك وكان السبب مجرد زحام مروري أو حديث مع صديقة؟ كم مرة شعرت بألم في بطنك واعتقدت أنه مرض خطير ثم تبين أنه مجرد عسر هضم؟

 

فقل لعقلك: «أنت تعطيني سيناريو احتماليته 1% وتترك الاحتمال الطبيعي البالغ 99%. لن أسير خلف هذا الوهم».

 

3- الفأل الحسن:

 

عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: «كان النبي ﷺ يعجبه الفأل الحسن، ويكره الطيرة» [رواه ابن ماجة]، و«الطِّيَرة» هي التشاؤم.

 

إذن، فور هجوم الفكرة السوداوية، استبدل بها صورة إيجابية. تخيل ابنتك وهي تدخل من الباب مبتسمة وتعتذر عن التأخير بسبب الزحام، أو تخيل مديرك في العمل وهو يشكرك على إنجازك. هذا الاستبدال يقطع مسار السيل العصبي السلبي في الدماغ.

 

كيف تطمئن وتحسن الظن بالله حقيقة؟

 

حسن الظن بالله هو عمل قلبي يقوم على معرفة أسماء الله وصفاته، واستحضار شواهد لطفه السابقة في حياتك. لذا أنصحك بالآتي:

 

1- استحضار تاريخ اللطف الإلهي:

 

عندما كدت تفقد بيتك، من الذي حفظه لك وأبدلك وظيفة أفضل؟ وعندما مرض ابنك لشهور وتألمت، من الذي شفاه تمامًا وعافاه؟ إنه الله سبحانه وتعالى.

 

تذكر قصة أم موسى عليهما السلام؛ حيث واجهت الخوف الأكبر لأي أم (أن يقتل فرعون رضيعها). فأمرها الله بوضعه في صندوق وإلقائه في اليم! تخيل حجم القلق البشري في تلك اللحظة؛ لكن لطف الله كان حاضرًا: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَىٰ فَارِغًا ۖ إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَن رَّبَطْنَا عَلَىٰ قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [القصص: 10]. الربط على القلوب هو فعل الله بك وبها. ثم كانت النتيجة: ﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَىٰ أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ [القصص: 13].

 

أحضر دفترًا صغيرًا، واكتب فيه تفاصيل أزمتك المالية وكيف انفرجَت، وتفاصيل مرض ابنك وكيف شُفي، وغيرهما من ألطاف الله السابقة معك والمحيطة بك. وكلما هاجمك قلق المستقبل، افتح هذا الدفتر واقرأه، متمثلًا قول الشاعر:

 

سَهِرَت أَعيِنٌ وَنامَت عُيونُ في أُمورٍ تَكونُ أَو لا تَكونُ

فَاِدرَأِ الهَمَّ ما اِستَطَعتَ عَن النَفــسِ فَحِملانُكَ الهُمومَ جُنونُ

إِنَّ رَبّاً كَفاكَ بِالأَمسِ ما كانَ سَيَكفيكَ في غَدٍ ما يَكونُ

 

2- المستقبل بيد اللطيف لا بيد الظروف:

 

يقول تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ ۖ وَاللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلًا ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 268]. ويقول رسول الله ﷺ: «يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي، إن ظن بي خيرًا فله، وإن ظن بي شرًّا فله» [رواه أحمد]. وظنُّك بالله يجب أن يكون مبنيًّا على كرمه ورحمته الواسعة.

 

3- عبادة التفويض والتوكيل:

 

وذلك بأن تلقي بحملك كله على وكيل قوي، الغني، الرحيم، القادر، سبحانه. فعندما تخرج ابنتك، أو عندما تفكر في وظيفتك، ردد بقلب حاضر: «اللهم إني استودعتك نفسي، وأولادي، ومالي، وعافيتي، فوكلتُ أمري إليك، وتبرأتُ من حولي وقوتي إلى حولك وقوتك». وتذكر دائمًا قوله تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ ۚ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق: 3].

 

وختامًا أخي الحبيب، أسأل الله أن ينزل عليك سكينة من عنده، وطمأنينة من لدنه، يُذهب بها وساوس صدرك، ويقر بها عينك. وصلِّ اللهم وسلِّم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

روابط ذات صلة:

4 نصائح تجنبك القلق

كيف تتغلب على مشاعر القلق؟

الرابط المختصر :