الإستشارة - المستشار : أ. فتحي عبد الستار
- القسم : وساوس وشكوك
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
402 - رقم الاستشارة : 3289
13/11/2025
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
أنا بنت جامعية، عم حاول أرجع لربي وأكون قريبة منه أكتر، صرت صلي بوقتها، وداوم على قراءة القرآن، وعم حسّ إنه قلبي عم يرتاح شوي شوي.
بس المشكلة إنّي بالفترة الأخيرة صرت انزعج من أفكار بتجيني وأنا عم صلي أو أقرأ قرآن، كأنّه صوت جوّاتي عم يقول: "هلأ إنتِ عم تعملي هيك رياء؟ ولا لأنك بدك الناس يشوفوك متديّنة؟ هل نيتك صافية فعلاً؟"
وهي الأفكار صارت تتكرّر كل مرة لدرجة صرت أتعب كتير، وما عاد أعرف أركز بالعبادة نفسها. بحاول أطنّشها وأقنع نفسي إنّي عم أعمل كل شي لله، بس بيرجع نفس الشعور، وبتعبني المراقبة الزايدة لحالي، كأني عم فتّش بكل حركة إذا فيها رياء أو لأ.
هل هاد الشي وساوس من الشيطان عم يحاول يخرب عليّ إخلاصي؟ ولا هو ضعف بإيماني فعلاً؟ وكيف ممكن قوّي نيّتي لله بدون ما ضلّ أنهك نفسي بالتدقيق والتفكير المفرط بهالموضوع؟
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، ومرحبًا بك ابنتي الغالية، وأسأل الله أن يبارك فيك، ويشرح صدرك، ويثبّتك على طريق الطاعة والإخلاص، وأن يجعل ما تمرِّين به سببًا لرفعة درجاتك، وتزكية قلبك، وزيادة قربك من ربك جلَّ وعلا، وبعد...
فإن القلوب حين تبدأ رحلتها إلى الله، تمر بمرحلة من «التمحيص»؛ يختبرها الله ليُظهر صدق نياتها، ويصقل صفاءها. ولذلك فمشاعرك هذه ليست ضعفًا في الإيمان؛ بل علامة على حياة قلبك، وعلى أنك في طريق مبارك نحو رضا الله عز وجل ونوال رحمته وحسن الجزاء.
حقيقة هذه الوساوس ومنشؤها
إن ما يمر بك من أفكار متكررة، كقول النفس: «هل أنت مخلصة؟ هل تريدين الناس؟» هو من وسوسة الشيطان، لا من ضعف الإيمان. فهو –لعنه الله– لا يهاجم القلب الغافل، إنما يوسوس لمن بدأ يقترب من الله؛ حيث يبدأ الشيطان بتخويفك من الرياء ليصرفك عن العمل الصالح. وقد قال بعض السلف: «ما أمر الشيطان بمعروف إلا ليصد به عن معروف أعظم»، فهو الآن يلبس عليك ثوب «الورع» ليوقعك في «الوسوسة»، وتفرقين بينهما بمعرفة أن الورع يورث طمأنينة، أما الوسوسة فتورث ضيقًا واضطرابًا.
وقد اشتكى الصحابة أنفسهم من وساوس في الإيمان، فقالوا للنبي ﷺ: «يا رسول الله، إن أحدنا ليجد في نفسه ما يتعاظم أن يتكلَّم به» فقال ﷺ: «وقد وجدتموه؟» قالوا: نعم. قال: «ذاك صريح الإيمان» [رواه مسلم]. أي إن وجود الوساوس مع كراهتها ومحاولة دفعها، دليل على الإيمان الصادق.
كيف تتعاملين مع هذه الأفكار؟
1- التجاهل التام:
كلما راودك هذا الصوت الداخلي، لا تردِّي عليه، ولا تفتشي في نيتك؛ بل قولي في نفسك: «اللهم إني أرجو أن يكون عملي هذا لك وحدك»، وامضي.
فالتفكير في الوساوس يزيدها رسوخًا. والشيطان يريد أن يشغلك عن العبادة بالتفكير في نيتك بدل التلذذ بالعبادة نفسها. ولذلك قال النبي ﷺ: «يأتي الشيطان أحدكم فيقول: من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ حتى يقول: من خلق ربك؟ فإذا بلغه فليستعذ بالله ولينتهِ» [متفق عليه]. فقوله: «ولينتهِ» أي: يقطع التفكير فورًا.
2- الاستعاذة والذِّكر:
كلما جاءتكِ هذه الأفكار استعِيذي بالله من الشيطان، وبدِّليها بذكرٍ يسكن القلب، كقراءة سورة الناس، أو أي ذكر آخر، فالله عز وجل يقول: ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ﴾ [الرعد: 28].
3- الاشتغال بالعمل:
النية تَصلُح بالعمل الصالح المستمر؛ لا بالتفكير المرضي فيه وتحليل دوافعه، فكلما زدتِ عبادةً، ورأيتِ أثرها في نفسك من صدق ورحمة وحياء مع الله والناس، فذلك هو الإخلاص بعينه. قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: 69]. فالمجاهدة هنا هي مقاومة الوساوس بالإصرار على الطاعة.
4- النية محلها القلب:
إن النية -يا ابنتي- ليست زرًّا يُضغط مع كل عمل صالح. إنها توجُّه قلبي عام نحو الله، تُجدِّدينها في قلبك قبل كل عبادة، ثم تمضين دون فحصٍ متكرر؛ إلا إذا داهمك وسواس شديد أو طرأ شيء يستدعي تجديدها قلبيًّا أيضًا أثناء العمل.
5- الموازنة بين الخوف والرجاء:
لا تجعلي خوف الرياء يغلب على رجائك في رحمة الله. فالله أكرم من أن يضيع عملًا صادقًا، حتى لو تخللته بعض الوساوس. يقول الله تعالى: ﴿ومَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمَانَكُمْ إنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [البقرة: 143]، ويقول سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [التوبة: 120].
6- استحضري مراقبة الله لا مراقبة نفسك
قولي في قلبك: «اللهم أنت ترى مكاني، وتعلم حالي، إن كنت تعلم أني أعمل هذا حبًّا لك فاقبله مني»، فالإخلاص هو أن يراك الله في العمل، لا أن تري أنت نفسك فيه. وتذكري أن الإخلاص لا يعني الكمال؛ لأن النفس البشرية لا تنفك عن شوائب.
والمهم هو ألا يكون قصدك الرئيسي إلا وجه الله، أما الخواطر والوساوس العابرة فلا تضر بإذن الله.
وختامًا يا ابنتي، أوصيك بالثبات، وبألا تحمِّلي نفسك فوق طاقتها، وبأن تتابعي طريقك بطمأنينة. أسأل الله أن يملأ قلبك يقينًا، وأن يرزقك الإخلاص والسكينة، وأن يطهّر نيتك من كل شائبة، ويجعل سعيك خالصًا لوجهه الكريم.
روابط ذات صلة:
الإخلاص والاستعاذة علاج للرياء والوسوسة
الإخلاص.. من أخلاق الداعية الناجح
النية وآثارها على المعاملات بين المسلمين
تطبيقات النية على أحكام العبادات الفقهية
الحكمة من تشريع النية وجعلها ركنًا للأعمال