الفكر الشارد دخل بيتي.. فما العمل؟

Consultation Image

الإستشارة 23/07/2025

أنا زوجة لرجل عشت معه عشرين سنة، وفي الآونة الأخيرة فوجئت بأنه صار يقترب من مجموعة من الأصحاب ذوي فكر شارد، بعيدين عن ثوابت الدين، وأصبح يتعمق في قراءة الشبهات التي أصبحت تلتهب في البيت، ويستمع إلى بعض الذين يشوشون على العوام والمثقفين، ويثيرون الشكوك حول بعض تشريعات الإسلام، ويتكلمون بأقوال ظاهرها الجاذبية، وباطنها الطعن والهدم... فبدأ زوجي يكرر ما يقولونه، ويجعل من بيتنا مجلسًا لهذه الأفكار، وأنا خائفة على دينه وعلى أبنائي، فما العمل؟ أرشدوني يرحمكم الله.

الإجابة 23/07/2025

أيتها الزوجة الصادقة، سلامٌ لقلبك المجاهد، الذي قاوم الخوف فاستنصح، وباح بالوجع ولم يستسلم... كلماتك تقطر صدقًا وألمًا، وتدل على قلب واعٍ، يعرف أين مكمن الخطر، ويطلب النجاة لا لنفسه فقط، بل لأهله وزوجها وبيتها…

 

وهذا وحده فضل من الله كبير ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان: 74]. ولقد صدقتِ حين وصفتِ الشبهات بأنها "تلتهب" في البيت، فالشبهات نار، لا تترك شيئًا إلا أحرقته إن لم تجد في وجهها إيمانًا واعيًا، وقلبًا راسخًا، وعقلًا حصيفًا.

 

وإليك بعض التحليل لتلك الاستشارة في النقاط التالية:

 

أولًا: لماذا بدأ زوجك يتأثر بهذه الأفكار؟

 

إنّ الشبهات غالبًا لا تدخل على الناس فجأة، بل تتسلل عند فتور القلب، وضعف الصلة بالله، أو إحباطات نفسية، أو بحث عن تميز فكري زائف.

 

ووراء ذلك غالبًا صحبةٌ منحرفة، أو متابعةٌ لمحتوى مشبوه على الإنترنت يخلط بين التنوير والهدم. قال رسول الله ﷺ: "المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يُخالِل"، ولهذا، فإن أولى دوائر الإصلاح هي: الصحبة، والمحتوى الفكري الذي يستهلكه زوجك.

 

ثانيًا: ما موقفك؟ وهل لكِ دور مؤثر؟

 

* نعم -أختي الكريمة-، لكِ دور عظيم، لا تتصوري أن المرأة لا تستطيع أن تحمي البيت من نار الفكر الضال، بل إن نساءً عاقلات كنّ سبب نجاة أزواجهن من الضلال والردى!

 

* ألم تسمعي بخديجة رضي الله عنها، حين دخل النبي ﷺ عليها بعد أول لقاء بالوحي يرتجف؟ فكانت أول من ثبت قلبه، وقالت: "كَلَّا، واللهِ لا يُخْزِيكَ اللهُ أبدًا، إنَّك لتصِلُ الرَّحِمَ، وتَحمِلُ الكَلَّ، وتكسِبُ المعدومَ..."، فأنتِ خديجة بيتك، كوني ثابتة، لا تغضبي منه، ولا ترفعي صوتك عليه، ولا تسخري من كلامه حتى لو كان باطلًا، بل قولي له: "أنا أحبك وأخاف عليك.. كلامك هذا يخيفني لا لأنني ضدك، بل لأني معك".

 

ثالثًا: خطة عملية لحماية البيت وإعادة زوجك إلى الثبات

 

إليك تلك الخطوات العملية في بنود تلك الخطة، وهي:

 

(1) التقريب العاطفي لا الصدام العقلي، فلا تبدئي بمجادلته، بل ابدئي بمحبته، واحتوائه، واظهري اهتمامك بما يحب من غير فكر مشوّش، واجعلي البيت واحة حب، لا ميدان صراع… فإذا اطمأن، أصغى لكِ حين تهمسين بحقائق الإيمان.

 

(2) استخدام أسلوب "الأسئلة لا الاعتراض"، فحين يقول فكرة مشوشة، قولي له بلين: "هل تظن أن كل من قال بهذا الرأي من العلماء يوافقك؟ وهل قرأت أقوالهم الأخرى؟ هل من قرأتَ له متفق عليه؟"، فالأسئلة تهز الثقة في الفكر المنحرف، دون استفزاز مباشر.

 

(3) تهيئة جو إيماني بالبيت: شغّلي في البيت أحيانًا مقاطع قصيرة مؤثرة لعلماء راسخين مثل الشيخ الشعراوي، أو الدكتور راتب النابلسي، بشرط ألا تكون بِنيّة المواجهة بل التهيئة، واجعلي الأولاد يقرؤون معك آية وتفسيرًا، أو دعاءً بصوت مسموع، فالبيت الذي فيه قرآن، تهرب منه الشياطين ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ﴾ [محمد: 25].

 

(4) الاستعانة بداعية قريب منه، ابحثي في محيطك ومحيط زوجك عن صديق قديم ملتزم؟ أو أخ له تأثير حسن؟ رتّبي له لقاء غير مباشر، وإن لم يوجد، فابحثي له عن محاضرة مؤثرة من شيخ له قبول، تراها قريبة من أسلوبه.

 

رابعًا: الشبهات ليست جديدة، لكن لها دواء، ومن بين ما وصف به النبي ﷺ آخر الزمان: "يُصبِحُ الرَّجلُ مُؤمنًا، ويمسي كافرًا، ويُمسي مؤمنًا ويُصبح كافرًا، يبيعُ دينَه بعَرضٍ من الدُّنيا قليلٍ"، ولذا فالثبات اليوم أعظم جهاد.

 

وأعظم أسباب الثبات:

 

- الدعاء: قولي كل يوم: "اللهم ثبت قلب زوجي على دينك، واكفِنا شرّ الفتن".

 

- البكاء في السجود: فهو أقوى من كل نقاش.

 

- الصبر الجميل: الذي لا فيه ضعف، ولا فيه انكسار.

 

خامسًا: رسائل قلبية إليكِ

 

* لا تظني أن الهجوم هو الحل، بل الحب الخالص، مع الذكاء العاطفي، هو مفتاح هداية القلوب المتشككة.

 

* ثقي بالله؛ فزوجك ما زال فيه خير، وما دام يقرأ ويتأثر، فهو قابل لأن يعود.. فقط اختاري المدخل المناسب ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ﴾ [يوسف: 18].

 

وفي الختام أختي الكريمة: أنتِ منارات الأمان في زمن الفتن، اثبتي، واصبري، واعملي بحب ووعي، وستشهدين -بإذن الله- لحظة يوقن فيها زوجك أن يدك التي أمسكت به، لم تكن خصمًا له، بل كانت حبًا ينقذه من الضياع.

 

ثبتكِ الله، وجعل بيتك نورًا وهدى، وردّ قلب زوجك إلى الحق ردًّا جميلاً.

الرابط المختصر :